فخر الدين الرازي
370
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في موسى ، وقال : لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ [ العنكبوت : 33 ] وقال : فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * [ الشعراء : 14 ] وقال إني : خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [ مريم : 5 ] ويدل عليه تقاليب خ وف فإن قولك خفي قريب منه ، والخافي فيه ضعف والأخيف يدل عليه أيضا ، وإذا علم هذا فاللّه تعالى مخوف ومخشي ، والعبد من اللّه خائف وخاش ، لأنه إذا نظر إلى نفسه رآها في غاية الضعف فهو خائف ، وإذا نظر إلى حضرة اللّه رآها في غاية العظمة فهو خاش ، لكن درجة الخاشي فوق درجة الخائف ، فلهذا قال : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ جعله منحصرا فيهم لأنهم وإن فرضوا أنفسهم على غير ما هم عليه ، وقدروا أن اللّه رفع عنهم جميع ما هم فيه من الحوائج لا يتركون خشيته ، بل تزداد خشيتهم ، وإما الذي يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب جاهه ، فربما يقل خوفه إذا أمن ذلك ، فلذلك قال تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وإذا كان هذا للخائف فما ظنك بالخاشي ؟ الثالثة : لما ذكر الخوف ذكر المقام ، وعند الخشية ذكر اسمه الكريم فقال : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ وقال : لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقال عليه السلام : « خشية اللّه رأس كل حكمة » لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه . وفي مقام ربه قولان : أحدهما : مقام ربه أي المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه ، وهو مقام عبادته كما يقال : هذا معبد اللّه وهذا معبد الباري أي المقام الذي يعبد اللّه العبد فيه والثاني : مقام ربه الموضع الذي فيه اللّه قائم على عباده من قوله تعالى : / أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] أي حافظ ومطلع أخذا من القائم على الشيء حقيقة الحافظ له فلا يغيب عنه ، وقيل : مقام مقحم يقال : فلان يخاف جانب فلان أي يخاف فلانا وعلى هذا الوجه يظهر الفرق غاية الظهور بين الخائف والخاشي ، لأن الخائف خاف مقام ربه بين يدي اللّه فالخاشي لو قيل له : افعل ما تريد فإنك لا تحاسب ولا تسأل عما تفعل لما كان يمكنه أن يأتي بغير التعظيم والخائف ربما كان يقدم على ملاذ نفسه لو رفع عنه القلم وكيف لا ، ويقال : خاصة اللّه من خشية اللّه في شغل شاغل عن الأكل والشرب واقفون بين يدي اللّه سابحون في مطالعة جماله غائصون في بحار جلاله ، وعلى الوجه الثاني قرب الخائف من الخاشي وبينهما فرق الرابعة : في قوله : جَنَّتانِ وهذه اللطيفة نبينها بعد ما نذكر ما قيل في التثنية ، قال بعضهم : المراد جنة واحدة كما قيل في قوله : أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ [ ق : 24 ] وتمسك بقول القائل : ومهمهين سرت مرتين * قطعته بالسهم لا السهمين فقال : أراد مهمها واحدا بدليل توحيد الضمير في قطعته وهو باطل ، لأن قوله بالسهم يدل على أن المراد مهمهان ، وذلك لأنه لو كان مهمها واحدا لما كانوا في قطعته يقصدون جدلا ، بل يقصدون التعجب وهو إرادته قطع مهمهين بأهبة واحدة وسهم واحد وهو من العزم القوي ، وأما الضمير فهو عائد إلى مفهوم تقديره قطعت كليهما وهو لفظ مقصور معناه التثنية ولفظه للواحد ، يقال : كلاهما معلوم ومجهول ، قال تعالى : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [ الكهف : 33 ] فوحد اللفظ ولا حاجة هاهنا إلى التعسف ، ولا مانع من أن يعطي اللّه جنتين وجنانا عديدة ، وكيف وقد قال بعد : ذَواتا أَفْنانٍ [ الرحمن : 48 ] وقال : فيهما . والثاني وهو الصحيح أنهما جنتان وفيه وجوه أحدها : أنهما جنة للجن وجنة للإنس لأن المراد هذان النوعان وثانيهما : جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصي لأن التكليف بهذين النوعين وثالثها : جنة هي جزاء وجنة أخرى زيادة على الجزاء ، ويحتمل أن يقال : جنتان جنة جسمية والأخرى روحية فالجسمية في نعيم والروحية في روح فكان كما قال تعالى : فَرَوْحٌ